محمد متولي الشعراوي

9312

تفسير الشعراوي

موسى ، فخيَّروه بين أنْ يلقي هو ، أو يلقوا هُمْ ، والله تبارك وتعالى يحُول بين المرء وقلبه ، فألهمهم ذلك مع أنهم خصومه ، وأنطقهم بما يؤيد صاحب المعجزة الخالدة ، فقالوا : { إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى } [ طه : 65 ] . وقد اختار موسى عليه السلام أنْ يُلقي أخيراً ؛ لأن التجربة التي مَرَّ بها في طوى مع ربه عَزَّ وَجَلَّ لما قال له ربه : { قَالَ أَلْقِهَا يا موسى } [ طه : 19 ] . فلما ألقى موسى عصاه انقلبتْ إلى حيَّة تسعى ورأى هو حركتها ، لكن لم يكُنْ بهذه التجربة شيء تلقفه العصا ، فإذا ألقى موسى أولاً وتحوَّلَتْ العصا حية أو ثعباناً ، فما الفرق بينها وبين حبال السحرة التي تحولتْ أمامهم إلى حيَّات وثعابين ؟ إذن : لا بُدَّ من شيء يُميِّز عصا موسى كمعجزة عن سِحْر السحرة وشعوذتهم ؛ لذلك اختار موسى أنْ يُلقي هو آخراً بإلهام من الله حتى تلقف عصاه ما يأفكون ، فما يُلقَف لا بُدَّ أن يسبق ما يَلْقُف . فمن حيث الحركة أمام الناظرين لا فَرْقَ بين عصا موسى وحبال السحرة وعِصِيهم ، فكلها تتحرك ، إنما تميزت عصا موسى بأنها تلقف ما يصنعون من السحر ، وتتتبع حبالهم وعِصيَّهم ، وتقفز هنا وهناك ، فلها إذن عَيْن تبصر ، ثم تلقف سحرهم في جوفها ، ومع ذلك تظل كما هي لا تنتفخ بطنها مثلاً ، وهذا هو موضع المعجزة في عصا موسى عليه السلام .